أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

233

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

للشرط ، ولا حاجة إليه . « لِيَبْتَلِيَكُمْ » متعلّق ب « صَرَفَكُمْ » و « أن » مضمرة بعد اللام . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 153 ] إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ( 153 ) قوله تعالى : إِذْ تُصْعِدُونَ : العامل في « إِذْ » قيل : مضمر أي : اذكروا . وقال الزمخشري : « صرفكم إذ ليبتليكم » . وقال أبو البقاء : « ويجوز أن تكون ظرفا ل « عَصَيْتُمْ » أو « تَنازَعْتُمْ » أو « فَشِلْتُمْ » . وقيل : « هو ظرف ل « عَفا عَنْكُمْ » . وكلّ هذه الوجوه سائغة ، وكونه ظرفا ل « صَرَفَكُمْ » جيد من جهة المعنى ، ول « عَفا » جيد من جهة القرب . وعلى بعض الأقوال تكون المسألة من باب التنازع ، وتكون على إعمال الأخير منها لعدم الإضمار في الأول ، ويكون التنازع في أكثر من عاملين . والجمهور على « تُصْعِدُونَ » بضم التاء وكسر العين من أصعد في الأرض إذا ذهب فيها ، والهمزة فيه للدخول نحو : « أصبح زيد » أي : دخل في الصباح ، فالمعنى : إذ تدخلون في الصّعود ، ويبيّن ذلك قراءة أبيّ : « تصعدون في الوادي » . والحسن والسلمي : « تُصْعِدُونَ » من صعد في الجبل أي رقي ، والجمع بين القراءتين : أنهم أولا أصعدوا في الوادي ، ثم لمّا حزبهم العدوّ صعدوا في الجبل ، وهذا رأي من يفرّق بين : أصعد وصعد . وأبو حيوة : « تصعّدون » بالتشديد ، وأصلها : تتصعّدون ، فحذفت إحدى التاءين : إمّا تاء المضارعة أو تاء تفعّل ، والجمع بين قراءته وقراءة غيره كما تقدم . والجمهور « تُصْعِدُونَ » بتاء الخطاب ، وابن محيصن - ويروى عن ابن كثير - بياء الغيبة على الالتفات وهو حسن ، ويجوز أن يعود الضمير على المؤمنين أي : واللّه ذو فضل على المؤمنين إذ يصعدون ، فالعامل في إذ : « فضل » . يقال : أصعد : أبعد في الذهاب ، قال القتبي : « كأنه أبعد كإبعاد الارتفاع » وقال الشاعر : 1472 - ألا أيّهذا السّائلي أين أصعدت * فإنّ لها في أهل يثرب موعدا « 1 » وقال آخر : 1473 - قد كنت تبكين على الإصعاد * فاليوم سرّحت وصاح الحادي « 2 » وقال الفراء وأبو حاتم : « الإصعاد : ابتداء السفر والمخرج ، والصعود مصدر صعد إذا رقي من سفل إلى علوّ » ففرّقوا هؤلاء بين صعد وأصعد . وقال المفضل : « صعد وصعّد وأصعد بمعنى واحد ، والصعيد وجه الأرض » . وَلا تَلْوُونَ « 3 » الجمهور على « تَلْوُونَ » بواوين . وقرىء بإبدال الأولى همزة كراهية اجماع واوين ، وليس بقياس لكون الضمّة عارضة ، والواو المضمومة تبدل همزة بشروط تقدّم ذكرها في البقرة : ألّا تكون الضمة عارضة كهذه

--> ( 1 ) البيت للأعشى انظر ديوانه ( 135 ) ، الهمع 1 / 175 ، الدرر 1 / 153 . ( 2 ) انظر البيت في مجاز القرآن 1 / 105 ، البحر 3 / 81 . ( 3 ) انظر البحر 3 / 82 .